ساحة التكنولوجيا والصراع

مشروع أزوريان

حين سرقت أمريكا غواصة نووية روسية من أعماق المحيط

واحدة من أكثر العمليات سرية في تاريخ (CIA)

أولاً: الغواصة K-129 — من هي وكيف غرقت؟

كانت K-129 غواصة باليستية تعمل بالديزل والكهرباء، تابعة للأسطول السوفيتي في المحيط الهادئ، وكان قائدها الكابتن فلاديمير كوبزار. غرقت في 8 مارس 1968 أثناء دورية روتينية، وعلى متنها صواريخ باليستية برؤوس نووية وطاقمها كاملاً. غرقت على بُعد نحو 2,600 كم شمال غرب هاواي.

مشروع أزوريان

السبب الحقيقي للغرق

 لم يُكشف رسمياً حتى اليوم، لكن المرجح أنه عطل تقني أو حادث داخلي.

ثانياً: كيف عثرت أمريكا عليها؟

في يوليو 1968 بدأت البحرية الأمريكية «عملية دولار الرمل» بإطلاق الغواصة USS Halibut من بيرل هاربر نحو موقع الحطام، وبعد 3 أسابيع من البحث البصري بكاميرات روبوتية، حُدِّد موقع الحطام على عمق 4.8 كم. كان هذا إنجازاً استخباراتياً ضخماً، إذ كانت الغواصة تحمل أسراراً نووية وشيفرات تشفير سوفيتية بالغة الخطورة.

بعد تحديد موقع الغواصة، قررت الولايات المتحدة محاولة انتشالها للحصول على:

  • رموز التشفير السوفيتية: لفك رسائلهم العسكرية.

  • صواريخهم النووية: لفهم تقنياتهم.

  • أجهزة السونار: لمعرفة قدراتهم على التخفي.

ثالثاً: قرار الانتشال — هنا يدخل كيسنجر

قرّرت وكالة CIA أن ما في داخل K-129 يستحق المجازفة. كان مشروع أزوريان من أعقد العمليات المخابراتية في الحرب الباردة وأشدها سرية وأعلاها تكلفة، إذ بلغت تكلفتها 800 مليون دولار، أي ما يعادل 4 مليارات دولار اليوم. 

دور كيسنجر:

بوصفه مستشار الأمن القومي ثم وزير الخارجية، كان كيسنجر على علم بالعملية وأشرف على الجانب السياسي منها، لا سيما في موازنة العلاقة مع السوفييت في خضم سياسة الانفراج

رابعاً: الغطاء الخادع — هاورد هيوز والمنغنيز!

هنا يأتي الدور العبقري والغريب في آنٍ:

وافق رجل الأعمال الملياردير هاورد هيوز — الذي كانت شركاته متعاقدة بالفعل على عديد من الأسلحة والطائرات والأقمار الصناعية الأمريكية السرية — على جعل المشروع باسمه، بحجة أن السفينة غرضها استخراج كرات المنغنيز من قاع المحيط. لكن لم يكن له ولا لشركاته أي مشاركة فعلية في المشروع. 

استعانت المخابرات الأمريكية بهيوز وشركته «غلوبال مارين» لبناء غطاء قصته أن السفينة تنقّب عن المنغنيز، حتى لا يعلم السوفييت بخطط الانتشال.  

أخبر هيوز وسائل الإعلام أن الغرض من السفينة استخراج عقيدات المنغنيز من قاع المحيط، وأصبحت قصة الغطاء الجيولوجي البحري مؤثرة بشكل مفاجئ حتى دفعت كثيرين لدراسة الفكرة فعلاً!

خامساً: سفينة “هيوز غلومار إكسبلورر” — المارد الفولاذي

تم التعاقد مع شركة «غلوبال مارين ديفيلوبمنت» على تصميم سفينة «هيوز غلومار إكسبلورر» وصنعها وإدارتها. صُنعت في حوض شركة «صن شيب بيلدينغ» قرب فيلادلفيا. كانت سفينة ضخمة مصنوعة تحديداً لهذه المهمة، تحوي في قاعها فتحة سرية ضخمة يُدخل منها ذراع انتشال عملاق يُسمى “المخلب” لالتقاط الغواصة من الأعماق.

سادساً: العملية — يوليو 1974

في يوليو 1974 دخلت العملية مرحلتها النهائية لسحب الغواصة النووية السوفيتية. 

وأثناء رفع الغواصة نحو السطح، وقعت الكارثة:

تسبّب عطل ميكانيكي في الماسك في انكسار ثلثي الجزء المسترد وغرقه في القاع مرة أخرى. يُقال إن هذا الجزء المفقود احتوى على دفتر الشيفرة والصواريخ النووية. احتوى الجزء المسترد على طوربيدين برؤوسين نوويين وبعض آلات التشفير، إضافةً إلى جثث ستة من الغواصين السوفييت، الذين أُقيمت لهم مراسم دفن رسمية مُصوَّرة في البحر

سابعاً: الموقف السوفيتي المُحيِّر

اكتُشف بعد 1991 أن السوفييتيين أُبلغوا عن العملية وكانوا على علم بأن CIA تخطط لمحاولة انتشال، لكن قيادتهم العسكرية رأت استحالة نجاح عملية كهذه وتجاهلوا التحذيرات. وعدم معرفتهم بالموقع الدقيق لـ K-129 حال بينهم وبين إعاقة العملية.

ثامناً: الفضيحة والكشف

أصبحت العملية علنية في فبراير 1975 عندما نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز قصة عن “مشروع جينيفر”. 

اقتحام مكتب الملياردير هاورد هيوز أدّى إلى كشف المشروع السري، فدفع البيت الأبيض إلى إلغاء المرحلة التالية من المهمة خشية رد الفعل السوفيتي. 

ابتكرت CIA «رد جلومار» للرد على الصحافة: “لا يمكننا أن نؤكد أو ننكر وجود تلك المعلومات، ولكن على سبيل الافتراض إذا كان لهذه المعلومات وجود فهي سرية ولا يمكن الكشف عنها.”

تاسعاً: ماذا وجد الأمريكيون داخل الجزء المنتشل؟

  • بقايا بشرية لعدد من أفراد الطاقم.

  • أجزاء من معدات التشفير.

  • لم يتم العثور على الصواريخ النووية في الجزء الذي تم انتشاله.

  • تم دفن جثامين البحارة السوفييت في البحر مع مراسم عسكرية.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!